صيدا : “مدينة يافعة”

البساتين في محيط نهر القملة بين الوسطاني والدكرمان

 

كيف تكون صيدا يافعة وهي من المدن التاريخية التي يزيد عمرها عن آلاف السنين؟!.. وحتى صيدا “المدينة الحديثة” قد صار عمرها عقود كثيرة!!

ولكنها يافعة لأنّها تعيش مرحلةً مفصليةً في تقدمها نحو النضوج المدني لتصير مدينة كاملة، فهي رغم تمدّدها عمرانيّاً وإجتماعيّاً إلى أبعد من حدودها البلديّة ورغم اشتمالها على مجموعة من القرى والبلدات والتجمّعات والمخيّمات، لا زالت تترك في ثناياها بساتين مثمرة وأشجار تاريخيّة ومجاري أنهار مكشوفة وقنوات مياه تاريخيّة ومواقع أثريّة ثمينة وغيرها من فراغات واسعة وعقارات فسيحة غير مستثمرة ..
لذلك يتوفر في صيدا مجموعة من الفرص التاريخيّة لاستثمار هذه الفضاءات والموارد المساحية لتشكيل بنية مدينيّة تُوازن بين الحديث والقديم، بين العمران والمساحات الخضراء, بين مصالح الاستثمار الخاص ومصالح المنفعة العامّة.

وبكل بساطة، إن لم تتمكّن السلطات الحاليّة من الشّروع في تشكيل هذه البنية أو التحضير لها، فان البلديّات والسُّلطات المستقبليّة ستكون مرغمةً على التعامل مع مدينة اختنقت أو هَرِمت، وعندها سيكون العمل على ذلك باهظ التكاليف مقارنة بتكاليف اليوم!!

كانت الأولويّة في مجال التّخطيط خلال العقود الماضية تعطى حصراً, وللأسف, لإنشاء وتطوير البنية التحتيّة من شوارع وتقاطعات ودوّارات (خدمةّ للسيارات والاَليّات) وما يتبعها من قنوات الصرف الصحّي غيرها من الخدمات. لا ريب ان تلك البنية مهمّة جدا في سبيل تطوير المدينة وان كانت ذات كلفة مرتفعة. ولكن المشكلة الاكبر تكمن في موضعين:
1- هذه البنية يتمّ إنشاؤها على حساب مجموعة من العناصر والمكوّنات الطبيعية من جسد المدينة.
2- عدم ربطها برؤى لتطوير شبكات مواصلات موازية للسيّارة وغالباً بديلة عنها.
هذا الخطأ المزدوج هو وليد سياسة عالميّة للتنمية سادت في ستينات وسبعينات القرن الماضي، تدفع ثمن اصلاحه اليوم كثير من المدن الكبيرة والمتوسطة الحجم في العالم ممن تعاني ازدحامات خانقة, وفيضانات شتوية, واختلاط مياه انهارها بمياه الصرف الصحي, وغياب المساحات الخضراء والساحات العامة فيها.

صيدا من المدن التي لم تَسلم خلال الثمانينات والتسعينيات من هذه السّياسات التي، ورغم حلّها للعديد من المشاكل المروريّة في المدينة حينها، إلّا أنّه لا يمكن تبرير الاستمرار في ممارستها اليوم وعدم الالتفات الى كل ما تختزته المدينة من احتمالات متاحة الاَن لتطويرها وفق رؤية عصريّة ذات أفق زمني يتخطى عشرات السنين.

لذلك فإن بلدية صيدا ونواب المدينة هم اليوم أمام تحدٍّ مهم، وهو الحفاظ على رونق مدينة صيدا وتحويل الشعارات البيئيّة التي رفعوها تكراراً إلى واقع يستفيد منه سكّان المدينة. معيار النجاح في هذا التحدّي هو كيفيّة تطبيق مجموعة من المشاريع الكبرى التي يتم تخطيطها وتنفيذها اليوم ، منها مثلاً مشروع الضم والفرز في شرق الوسطاني ومشروع “تقويم” نهر القملة.

أمّا التّحدّي الآخر أمام سكّان المدينة وفعاليّاتها ومجتمعها المدني فهو في أن يشكّلوا قوّة ضغط فعّالة على أصحاب القرار، تنادي بمشاريع بيئيّة تتقدّم فيها المصلحة العامّة على الخاصّة و تكون مبنيّة على آليات تشاركيّة فعليّة بين الناس.

علّ النجاح في هذين التّحدّيين يجنّب صيدا اليافعة مستقبلاً هرماً تعاني منه بيروت اليوم!

صورة جويّة لصيدا

صورة جويّة لصيدا

صورة جويّة لبيروت

صورة جويّة لبيروت

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s