أنهار صيدا تنتظر تحريرها من الإسمنت

نقلاً عن جريدة المدن

يوم الجمعة16/10/2015

بقلم هدى حبيش

 

أنهار صيدا تنتظر تحريرها من الإسمنت

تقترح مخزومي حل مشكلة الأنهار في صيدا واستثمارها بطريقة صحيحة عبر تحويلها إلى أشرطة خضراء (علي لمع)

“كنا نقصد النّهر لجمع الضفادع، وكنا نضعها في القناني على ما أذكر. كنت دائماً أنتظر أن تقفز سمكة من البركة. لم أكن أصدق أن هذا المكان المحاط بقصب السكر موجودٌ حقاً في مكان قريبٍ من بيتي وكنت أظن أنني وأصدقائي فقط من يعرف بوجوده لبعده عن الأنظار. وكان التقاط الضفادع حينها تحدياً، فأحذيتنا كانت تغز في التراب الأبيض لضفة النهر”. تروي ياسمين ذكرياتها على نهر القملة، الذي كان يمر بين الجبال من مجدليون ليقطع الوادي حيث تلتقي تلة حارة صيدا بتلة عبرا. وتجتمع في الذاكرة الشعبية للمدينة مجموعة قصص شبيهة بقصة ياسمين، بل أكثر قدماً وأعمق تعلقاً بالنهر. إذ يحد صيدا نهر الأولي شمالاً ونهر سينيق جنوباً. وفي داخلها تجري أربعة أنهار موسمية هي نهر بو غياث، نهر القملة، نهر البرغوث ونهر عين زيتون. لكن هذه الأنهار لم تعد جزءاً من حياة سكان المدينة بل باتت إما مجروراً يبعث روائح كريهة أو قناة إسمنتية.

النهر عنصر هيكلي
أدّت الحداثة منذ بدايتها في القرن العشرين إلى تغيّر توجهات الإنسان في تعامله مع الطبيعة. وهذا، بالنّسبة للمهندسة والعضو في مجموعة “مبادرة من أجل المدينة” في صيدا، لين جبري يتجسّد في الكف عن التعاطي مع الثروات الطبيعية، أي الأنهار والجبال والوديان وغيرها، على أنها عناصر هيكلية ليحل محلها الشارع أو ما تصفه جبري بـ”منطق السيارة”.

ظهرت أولى بوادر الحداثة في التوجه العمراني في صيدا في الثمانينيات. فالطبيعة الجغرافية للمدينة، بإعتبارها مدينة ساحلية يحدها البحر غرباً والتلال شرقاً، ووجود عدد من الأنهار التي تتدفّق من الشرق إلى الغرب أيضاً، أدّت إلى أن يصبح هذا الإتجاه (شرق-غرب) تقليداً في سير العلاقات القائمة في المدينة ومسار تطورها. وعندما بلغ التخطيط المدني في صيدا ذروته، في المرحلة اللاحقة على الثمانينات، تغيّر سير العلاقات في المدينة ليصبح من الشمال إلى الجنوب. بكلمات أخرى، تحولت مدينة صيدا إلى معبر بين الجنوب وبيروت، والعكس. وهكذا، تغطّت الأنهار.

النهر قناة إسمنتية
لجأت البلديات المتعاقبة على صيدا إلى تغطية النهر بـ”كلفرت” (الاسمنت) اقتداءاً بالدول الغربية التي عمدت إلى تغطية أنهارها في خمسينات وستينات القرن الماضي، بهدف تجنب فيضانها، ليتبين لهذه الدول لاحقاً أن هذا الحل غير مجد بل يزيد من قوة الفيضان. ولعل ذلك يذكرنا بغرق صيدا بالمياه شتاءاً، تحديداً منذ سنتين، لتؤكد جبري ضاحكة: “هيدا بو غياث”. لكن تغطية الأنهار في صيدا حصلت “من أجل استخدام مشاع النهر لفتح شارع عوضاً عن الإستملاك، فوفقاً لقرار صادر عن وزارة الطاقة والمياه يمكن للبلدية استخدام مشاع النهر”، تقول جبري.

أما المشكلة المباشرة التي دفعت البلديات المتعاقبة إلى تغطية الأنهار بـ”كلفرت” فهي اختلاط مياه الصرف الصحي مع مياه الأنهار، ما أدى إلى انبعاث روائح كريهة في المناطق التي تمر فيها الأنهار. ولعل نهر القملة يشكل مثالاً حياً لهذه المشكلة وكيفية التعاطي معها في الوقت الحالي. ومن أجل حل هذه المشكلة تم إنشاء أنابيب خاصة لمجاري الصرف الصحي وأخرى للمياه الشتوية، لأن اختلاطهما يُعطل محطة تكرير مياه الصرف الصحي. لكن المفارقة تكمن في وضع هذه الأنابيب في وسط النهر ما أدى إلى تحطمها وبالتالي تجدد المشكلة. لذلك حاولت البلدية الحالية إغلاق المساحة المتبقية من نهر القملة بعد شكوى السكان من رائحة المجاري في منطقة غرب الوسطاني.

لكن الأنهار في مدينة صيدا لا تعاني من الإغلاق فحسب، بل من التعديات أيضاً، وأبرزها تعديات البناء على حدود النهر الذي حددتها وزارة البيئة بـ”100 متر على جانبي الأنهار الكبيرة كالأولي وسينيق، وحوالى 7 أمتار على جانبي الأنهار الموسمية والتي يجب أن تبقى ملكاً عاماً”. وتؤكد الدكتورة المتخصصة في التخطيط الإيكولوجي للمشاهد جالا مخزومي أن “هذه القوانين لم توضع عبثاً ولكن هناك أسباباً علمية ركنت إليها، ويجب الإلتزام بها لتفادي الأضرار الناتجة عن التعدي”. ويتطابق حديث مخزومي مع الواقع في صيدا إلى حد بعيد، إذ أن جزءاً من نهر القملة في حدود بلدية حارة صيدا وتحديداً منطقة “جادة نبيه بري” يتعرض للردم المتكرر. ولعل المتعدي، وهو أحد المتعهدين المحليين، استغل انشغال المجلس البلدي بمشاكله الداخلية ليتمادى في تجاوزاته. وهذا ما سينتج ضرراً مباشراً على النهر، حيث سينهار مع تساقط الأمطار هذا الردم تدريجاً ليغلق مسار النهر. ومسؤولية هذا التعدي تقع على بلدية حارة صيدا وبلدية مجدليون لأن الردم يحصل من الجهتين.

النهر عابر للحدود
النهر شريان حيوي يوسع حدود المدينة ويربطها بجوارها على الرّغم من خلافات المجالس البلدية. ولعل الفشل في حل مشكلة المجاري في صيدا الإدارية على الرغم من فصل المجاري عن الانهار في أنابيب خاصة مثال حي على ذلك. فمياه النهر كانت تصل إلى صيدا الإدارية ملوثة بسبب عدم فصل البلديات المجاورة لها (حارة صيدا وعبرا) مجاريها عن مياه النهر. وتؤكد مخزومي “لا يمكن العمل في ملف الأنهار ضمن حدود صيدا الإدارية فقط. لكن إتحاد بلديات صيدا والزهراني فرصة جيدة جداً للتنسيق، غير أن التوجهات السياسية تعيق العمل الصحيح”.

النهر شريط أخضر
كورنيش طويل يربط الشاطئ بالجبل. أشجار خضراء ومقاعد وسط الوادي. جسر يربط ضفة بالأخرى، نسيم خفيف وصوت مياه، والأجمل من ذلك أنه “للكل”. هذه هي “الأشرطة الخضراء”. تقترح مخزومي حل مشكلة الأنهار في صيدا واستثمارها بطريقة صحيحة عبر تحويلها إلى أشرطة خضراء، مؤكدة أن “هذا ما تفعله كل دول العالم المتطورة”. ولعل هذا الحل يعيد الأنهار إلى ما كانت عليه أصلاً، فـ”التطور والحضارة لا يكونان بعيدين عن الحلول الإيكولوجية التي تحقق التنمية المستدامة. أما الأشرطة الخضراء فيمكن تنفيذها بكلفة زهيدة، ولا تحتاج سوى إلى دراسة جيدة ولوجستيات بسيطة، والكورنيش البحري هو مثال على ذلك”، على ما تؤكد مخزومي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s