«زاروب النجاصة» ذاكرة صيداوية تزهو بشجرة غير ساحلية

 نقلاً عن جريدة اللواء

يوم الاربعاء,11 تشرين الثاني 2015

بقلم سامر زعيتر

 

«زاروب النجاصة» تحوّل إلى أوتوستراد ومنطقة عمرانية

تحوّل من مقبرة للفرنسيين والبساتين إلى منطقة عامرة
لم يَرَها الجيل الجديد ولكنه حافظ على التسمية رغم تبدّلها!

عودة إلى الذاكرة الصيداوية، يوم كانت بساتين المدينة تنبعث منها رائحة زهر الليمون، في ذلك المكان كانت تزهو شجرة فريدة بين الأشجار، ليس كمثيلاتها على الساحل اللبناني، ليتخذ المكان من اسمها تسمية له…
فها هو «زاروب النجاصة»، الذي ترعرعت فيه شجرة الإجّاص في أرض تعود ملكيتها لآل أبو ظهر، كانت فريدة في هذا المكان الساحلي، لا يعرف المختصون كيف وصلت إلى ذلك المكان على مقربة من نهر البرغوث…
أسماء ليست غريبة على الذاكرة الصيداوية، وإن لم يعد لها وجود، لكنها حفظت تاريخاً لا يزال الكبار يذكرونه وتتناقل تسميته الأجيال وإن تبدّلت معالمها، تسمية فريدة داخل منطقة الدكرمان، فما هي أصل الحكاية ولماذا تبدّل المشهد وتغيّرت معالمه، وما يحتويه المكان من تغيّرات، كل ذلك وأكثر استوجب بحثاً معمّقاً في تاريخ يمتدُّ إلى أوائل القرن الماضي…
«لـواء صيدا والجنوب» يعود إلى ذاكرة الأمكنة الصيداوية، وهذه المرة مروراً بـ «زاروب النجاصة» الذي تحوّل من البساتين ومقبرة للفرنسيين، تكاد تعجز السيارات فيه عن المرور إلى أوتوستراد يتكامل مع التوسّع العمراني للمدينة، فكانت هذه الانطباعات…

نبتت على غير العادة!
عند العودة للتاريخ، يحتاج الأمر إلى أكثر من بحث علمي، وربما إستعادة ذاكرة الخبراء في التسميات ومعها التنقّل بين الأحياء لمعرفة الجذور، وهذه المرة الإستعانة بخبراء التراث الصيداوي.
يؤكد الباحثون «أن اصل التسمية يعود إلى شجرة زرعت في بستان لآل أبو ظهر، حيث كان الحي كله مكاناً لسكن تلك العائلة الصيداوية، بالقرب من «مدرسة المدخل الجنوبي»، وهي تسمية تأتي على غرار تسمية كوع الخروبة في منطقة الهلالية، نسبة إلى شجرة كبيرة من الخروب كانت عند ذلك المكان، ولكن شجرة الإجاص التي زرعت في منطقة الدكرمان أو المطحنة وفق التسمية العثمانية، شاءت أن تنبت في الساحل الصيداوي على غير ما اعتادت عليه الزراعة في تلك المنطقة».
بركة المياه متعة الصبية
* شجرة فريدة من نوعها لا يعرف كيف استطاع آل أبو ظهر غرسها على غير اعتياد أشجار الليمون التي كانت تزهو بها بساتين المدينة، لكن بقرب من ذلك المكان كانت بركة من المياه يسبح فيها الصبية، وفق ما أكد مختار حي الدكرمان محمد البعاصيري بالقول: «إن الشجرة أعطت للمكان أسمه، ولا زلنا نذكر الأيام الجميلة التي قضيناها في السباحة في بركة المياه لدى زيارتنا الأقارب في حي النجاصة، حيث كانت البساتين هي السمة الغالبة على المدينة، ومنها شجرة من الزنزلخت، وكانت الطريق ضيقة تكاد لا تتّسع لمرور سيارة، حيث كان يعيش في المكان عدد قليل من العائلات الصيداوية التي تحصيها أصابع اليد الواحدة، ومنها أيضاً آل الهواري وأقاربنا من آل البساط، وهذا ما نذكره قبل 50 عاماً عندما كنت في سن العاشرة، حيث كنا نخشى دخول المنطقة ليلاً نظراً لتواجد بعض الحيوانات غير الأليفة كالواوي».
حي وزاروب
* ومن مختار إلى آخر، تقودنا الخطوات للتعرّف على حقيقة المكان وأخذ فكرة عنه، لذلك قصدنا مكتب مختار حي السبيل جميل البيلاني الذي اتخذ من حي النجاصة مكاناً له، وقبل ذلك ورث عن عائلته عقار داخل الحي وفق ما أوضح بالقول: «رغم أن مكتبي في حي النجاصة في منطقة الدكرمان، لكننا ولدنا في هذا المكان الذي عرف باسم حي النجاصة، لأننا نملك عقاراً ورثناه عن الجدة فاطمة وهبي، وكانت المنطقة عبارة عن وقف لآل حمود، ويشتهر بمقبرة للجيش الفرنسي، ولكن هذه المقبرة أُزيلت في أوائل الخمسينات، أما المكان فكان عبارة عن بساتين بدأت تتغيّر ملامحها في أوائل الستينيات، حيث كانت أوائل الأبنية التي شيّدت في هذا المكان تعود ملكيتها لآل الظريف، ولا زلنا نحفظ ذكريات الطفولة منذ العام 1939 في هذا المكان الذي ورثنا فيه عقار عن جدتي، وتمتد «زاروب النجاصة» من محل فروج بروست مروراً بعقار آل البلطجي، وهي كانت عبارة عن منطقة للبساتين قامت جدتي ببناء منزل فيها لا يزال قائماً».
تبدّل الأماكن دون التسميات
* معالم البعض منها لا يزال قائماً، فيما البعض الآخر غاب عن المدينة، ومنها نهر البرغوث، تسمية أخرى كانت تقع بمحاذاة حي النجاصة، تحوّل إلى آثر بعد عين، وفق ما أشار نزيه الترياقي (البالغ من العمر 70 عاماً) بالقول: «كان الحي يعرف أيضاً باسم حي آل أبو ظهر، وفيها كانت تسكن عائلات فرح وعسيران أيضاً، بمحاذاة نهر البرغوث الممتدّة بالقرب من السراي الحكومي والذي كان بدوره يصبُّ في البحر الصيداوي عند منطقة المسلخ، وكنا نمرّ بحي النجاصة في طريق ذهابنا إلى «مدرسة الفنون الإنجيلية» أو مروراً بخط السكة الحديدية، إنطلاقاً من حي الست نفيسة، القريب من حي النجاصة، حيث مكان سكننا، لكننا لم نرَ شجرة الإجاص التي اشتهرت بها المنطقة مما يعني أن الشجرة اقتلعت قبل تلك الفترة».
* بدوره صاحب «الكترو جرادي» إبراهيم جرادي قال: «يقع محلنا عند مدخل «زاروب النجاصة الذي تحوّل من زاروب إلى اوتوستراد، كان زاروب صغير تكاد لا تدخله سوى سيارة، وهو عبارة عن بساتين عامرة بالأشجار، كنا نمرُّ من خلالها، فيما اليوم لم يبقَ من المكان سوى أسمه بفعل التطوّر العمراني، وفي السابق كان هناك محل واحد لكوي الملابس لآل الحلبي ومبنى آخر لآل الحلبي وعقار خاص بآل وهبي، هو جلّ ما يشكّله مدخل هذا الزاروب، ثم بدأ بعد ذلك المكان يزدهر بالعمران، وميزة هذا المكان أنه كان المنفذ الوحيد من «مستشفى حمود» إلى مدرسة الراهبات إضافة إلى منطقة البوابة الفوقا، فيما تشييد الاوتوستراد جاء بعد الاجتياح الإسرائيلي لمدينة صيدا، بينما كان في الزاروب جبّانة خاصة لدفن موتى الجيش الفرنسي، ورغم أن التسمية اليوم أصبحت أوتوستراد الشيخ محرم عارفي، لكن الناس حافظت على تسميته الأصلية كما تناقله الأجداد».
ذكريات الزمن الجميل
* تبدّل المعطيات والأسماء لم تعيها ذاكرة صغار السن، وخصوصاً الذين هاجروا في ريعان الشباب إلى خارج الوطن للعمل، وعند عودتهم لا زالت الذكريات الجميلة التي يرويها الأجداد حاضرة في البال، وفق ما أوضح محمود الرفاعي بالقول: «عدنا من السفر قبل سنوات قليلة، ولكن كنا نسرُّ بأحاديث الأهل عن الذكريات القديمة، فيما أهل المنطقة اما تركوها بعد التوسع العمراني أو فارق الكبار منهم الحياة، ولا زلنا نذكر أحاديث الجيران عن المنطقة والزمن الجميل». زمن تبدّلت فيه العديد من المعالم، ولكنه حفر في الذاكرة الصيداوية بأسماء تدغدغ مشاعر أبناء المدينة، ومعها الحنين إلى عبق زهر الليمون ورائحته الزكية.

تناقل ذكريات أيام الصبا بين المختار البيلاني ونجله في «زاروب النجاصة» جرادي يشير إلى بداية «زاروب النجاصة» في صيدا
ما تبقّى من بساتين كانت تزدهر بها المنطقة ما تبقّى من بيوت قديمة في «زاروب النجاصة»
يستعيدون ذكريات الزمن الجميل رغم تبدّل المشهد

للاطلاع على النص الأصلي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s