السلطانية: رحلات يومية عبر كنوز منسية (الجزء الأول)

sultaniyeh pano 1_small

إسمها رومنسي … تاريخها غني …كنوزها دفينة.
إحدى أهم الثروات التاريخية والأثرية والهندسية لمدينة صيدا.
نَمُرُّ عليها سريعاً كل يوم. نعتقد أننا نعرفها جيدا. نلتمس سحرها غافلين عن قصصها وثرواتها وأساطيرها. إنها … السلطانية.

يسلك سكان مدينة صيدا الطريق المعروفة بـ”طريق النافعة”، لأنها تبعدهم عن زحمة السّير عندما يتنقّلون بين مدينة صيدا وتلالها الشرقية. هي طريق مختصرة وجميلة، يستطيع المار بها أن يمتِّع نظره ببساتين الوسطاني فيما يرتسم البحر في خلفيتها. وهذه الطريق، المعروفة أصلاً باسم “السلطانية”، تبدأ قصتها، مثل الكثير من القصص الصيداوية، مع “المياه”.

صورة جوية لشمال صيدا ٢٠١٣ يظهر فيها سهل الوسطاني وجزء من تلالها الشرقية (بقسطا،برامية، هلالية). وقد رسم خط السطانية على الخريطة باللون البرتقالي

صورة جوية لشمال صيدا ٢٠١٣ يظهر فيها سهل الوسطاني وجزء من تلالها الشرقية (بقسطا،برامية، هلالية). وقد رسم خط السطانية على الخريطة باللون البرتقالي

تشكل السلطانية الخط الأفقي الذي تلتقي عنده التلال الشرقية المجاورة لمدينة صيدا بسهل الوسطاني. هذا الالتقاء المفاجئ بين التلال والسهل يدفع المياه الجوفية الجارية في قلب التلال الى الخروج إلى سطح الأرض على شكل ينابيع.

y-01

لذلك، وخصوصاً في الحقبات الفينيقية والهيلينية، اختار الإنسان الصيداوي القديم هذه التلال وهذا الخط الجغرافي لإقامة مقابره إيماناً منه بقداسة المياه وارتباطها بالقيامة بعد الموت.

ونظرا لأهمية هذه المنطقة الأثرية والمائية، صنفها المخطط المديني الفرنسي ميشيل إيكوشار (Michel Ecochard) كأهم مساحة أثرية في منطقة صيدا – وذلك عندما كُلِّف في خمسينيات القرن الماضي بتصميم مخطط توجيهي لمدينة صيدا.

خريطة ميشيل إيكوشار التي تبين المواقع الأثرية المهمة في منطقة صيدا الكبرى - والتي يتخللها خط السلطانية

خريطة ميشيل إيكوشار التي تبين المواقع الأثرية المهمة في منطقة صيدا الكبرى – والتي يتخللها خط السلطانية

تشمل المواقع الأثرية المكتشفة على خط السلطانية “معبد أشمون” و“مقبرة صيدا الملكية”، عداك عن المواقع الأثرية الكثيرة المرصودة والتي لم ينقّب الباحثون عنها بعد.

معبد أشمون

معبد أشمون

في العصر الروماني[1]، شَهِدَتْ السلطانية فصلاً جديداً في تطورها الحياتي إذ شُقّت قناة مائية لري بساتين الوسطاني ومدينة صيدا القديمة.

canal

حينها، عمد سكان المدينة إلى  جر المياه بالجاذبية من نهر الأولي في منطقة علمان عبر البساتين المجاورة وصولاً الى البلد القديمة من خلال شبكة متطورة مؤلفة من أجزاء متعددة جمعت بين القنوات المفتوحة، الأنفاق المحفورة في الصّخر والقنوات المرفوعة ليبلغ طول مسارها مجتمعة ما يزيد عن  7 كيلومتر.

خريطة نظام الري التاريخي في شرق الوسطلني

خريطة نظام الري التاريخي في شرق الوسطلني

عرفت القناة بأسماء كثيرة منها قناة السلطانية، قناية المدينة وقناة البلد[2] .وفي العصر العثماني تحديداً، عرفت  باسم “قناة الخاسكية”،  تمثلاً بإسم زوجة الأمير فخر الدين التي كان لها دوراً هاماً في تطوير وترميم القناة. ويظهر هذا الإسم في الوثائق العثمانية الرسمية على الشكل الآتي: “قناة الخاسكية طاب ثراها” – وذلك لأهميتها في تاريخ المدينة  بالإضافة إلى دورها الحيوي في يوميات الناس الزراعية والمعيشية وحتى الفلوكلورية.

الأمير فخر الدين . المصدر : Eugene Roger, La Terre Sainte

ونظراً لضرورة ارتفاع القناة طوبوغرافياً عن البساتين، بنى الصيداوين القدامى، عند إنشاء القناة، سلسلة جلول على سفوح تلال بقسطا والبرامية والهلالية لترتكز القناة على الإرتفاع الهندسي المناسب. ومن خلال هذا العمل الإنشائي بدأت تتوضح معالم السلطانية كمنشأة هندسية.

الجل الذى يتكأ عليه تلال شرق صيدا، والذي يحتوي قناة الخاسكية ويمر من فوقه طريق السلطانية

الجل الذى يتكأ عليه تلال شرق صيدا، والذي يحتوي قناة الخاسكية ويمر من فوقه طريق السلطانية

فتسوية المنحدر عبر بناء الجَل الذي يحوي القناة، هو ما أفرد مساحة مسطحة وطولية موازية لسهل صيدا الزراعي (الوسطاني) ومطلّة عليه. هكذا، أصبحت تلك المساحة المنبسطة تشكل الطريق البرية التي تربط مدن الساحل بعضها ببعض عبر مدينة صيدا.

١٩٢٦، صورة لطريق السلطانية . يظهر في الخلفية سهل الوسطاني ومدينة صيدا القديمة. المصور : كارل جروبر. المصدر : مجموعة جان بيار زهار وياسمينة رافوول

صورة لطريق السلطانية  من سنة ١٩٢٦. يظهر في الخلفية سهل الوسطاني ومدينة صيدا القديمة. المصور : كارل جروبر. المصدر : مجموعة جان بيار زهار وياسمينة رافوول

ومنذ ذلك الحين، بدأت تظهر على طول طريق السلطانية مجموعة من الخانات التي كان يبيت فيها المسافرون على مر القرون الماضية، والتي ما زال بعضٌ منها صامداً حتى اليوم، ومنها “خان الأولي”، “خان أبو شكا”، “خان القصر” و”خان الحارة”.

Water documentation

كما لا يزال موجوداً حتى اليوم العديد من أشجار الزيتون المعمرة والتي يقدر عمرها من١٥٠ إلى ٤٠٠ سنة والمتواجدة  تحديداً على كتف طريق السلطانية.

أسجار الزيتون على أطراف السلطانية

أسجار الزيتون على أطراف السلطانية

وفي سنة ١٨٦١، اكتسب خط السلطانية دوراً جيوسياسياً مهماً إذ خُطِطَت حدود متصرفية جبل لبنان على طوله. بذلك، أصبحت السلطانية حدوداً رسميةً تفصل بين المتصرفية التي كانت شبه مستقلة حينها وبين الدولة العثمانية، لتبقى على هذه الحال حتى سنة ١٩١٨.

خريطة لجزء من السلطنة العثمانية والتي يظهر عليها متصرفية جبل لبنان (ملونة بالأحمر) والتي تبين مدينة صيدا على حدودها الجنوبية

خريطة لجزء من السلطنة العثمانية والتي يظهر عليها متصرفية جبل لبنان والتي تبين مدينة صيدا على حدودها الجنوبية

وفي حديث مع المؤرخ الصيداوي الدكتور طلال المجذوب، ذكر المجذوب أن إطلاق إسم “السلطانية” على قناة الخاسكية يعود إلى أواخر العهد العثماني. ويُرجِّح المجذوب إطلاق هذا الإسم على القناة لأنها كانت “تدار بإشراف السلطنة”. كما يذكر أن كلمة “السلطانية” تحمل أيضاً معنى “الرئيسية”، لذا قد تكون سميت “السلطانية” نسبة لدورها كقناة وطريق رئيسية[3].

لتاريخ السلطانية أيضاً جذور تمتد إلى عصر الحداثة الذي بدأت تظهر ملامحه في مدينة صيدا في خمسينيات القرن الماضي حينما تأسس على جوانب هذه الطريق أحد أوائل الأحياء الحديثة خارج بلدة صيدا القديمة والمعروف بـ”حي القياعة”.

حي القياعة

حي القياعة

ويضم حي القياعة العديد من المباني ذات الطراز الخمسيني والستيني الحديث والذي يعتبرذو قيمة هندسية، معمارية وثقافية خصوصاً لما يجمعه من  تماشٍ مع مبادئ وروحية الحداثة العالمية وتأقلمه، في الوقت نفسه، مع خصوصيات مدينة صيدا الاجتماعية والبيئية.

فإذا، ما هي السلطانية؟

بات واضحاً لنا الآن أن “السلطانية” هي أكثر من مجرد طريق للسيارات بل هي ممر زمني، يوثق قصص مدينة صيدا مع المياه والزراعة ويقص علينا تاريخ تطور الإنسان الصيداوي عبر العصور المختلفة.

من خلال الغوص في طيات السلطانية، نكتشف أيضاً علاقة صيدا مع جبل لبنان ومدن ساحلية أخرى، لتنكشف ملامح  السلطانية تدريجياً كعنصر مديني مُكوَّن من طبقات تاريخية وهندسية وطبيعية وإجتماعية متراكمة.
هنا يظهر السؤال الأهم: كيف يمكن الاستفادة من هذا العنصر الغني وإظهار معالمه وكنوزه ضمن خطط تطوير للمنطقة وتنميتها ؟ (يتبع في الجزء الثاني)

[1]  مقابلة مع المؤرخ طلال المجذوب في 2012.
[2] ص ١٤٨ من كتاب د.رضوان السيد : مدينة صيدا ١٨١٨-١٨٦٠ : دراسة في العمران الحضري من خلال وثائق محكمتها الشرعية
[3] صفحة ٣٦٧ من دراسة الدكتور طلال المجذوب : زراعة صيدا وساقياتها في منتصف القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين ١٨٤٠-١٩٢٠م. جزء من منشورات المؤتمر الدولي التاسع لتاريخ بلاد الشام تحت عنوان : المياه والمحاصيل الزراعية في بلاد الشام.

Advertisements

One response to “السلطانية: رحلات يومية عبر كنوز منسية (الجزء الأول)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s