تمهيد لكتيب “مشي تَ دلّيك”: نقاش حول الحقوق العامة والمشاريع “التنموية” على الشاطئ الصيداوي

“تعود إلي صيدا التي أبيت أن أعود إليها. تعود لا كما كانت، لا كما عرفتها في طفولتي… لكن، لا شيء يعود كما كان حتى في الذكرى… يتغير الزمن، ونحن نغربل ذكرياتنا، لعلّه لا وعينا هو الذي يغربلها، أو لعلها أمانينا، وأحالمنا وهذه الرغبة في أن نبدع حياتنا. تعود إلي  صيدا محطّة أمل، مشروع مستقبل، مكانا للولادة، حضناً من الحب والحنان، مرآة لمستقبل، لأنثى أرى فيها صورتي.” ــ يمنى العيد

10501586_477850125689255_5198702296244466602_n

تتعدد أشكال شاطئ مدينة صيدا بحسب اختلاف سكانها ومخيلاتهم حولها.

بالنسبة للبعض، الشاطئ هو فرصة ذهبية لإنجاز مشاريع تطويرية وإستثمارية تأخذ شكل مرافئ وفنادق ومرافق سياحية ومواقع إستراتيجية على كتف البحر المتوسط.  وبالنسبة للبعض الآخر، يشكل الشاطئ مكاناً لأهم المساحات الطبيعية والتاريخية والمشتركة في المدينة. وفي هذه المخيلة تتزاحم أيضاً المشاعر الرومانسية المرتبطة بجمال البحر، وشاطئه الشاهد أيضا على قصص قديمة وجديدة تحاكي العلاقة الحميمة لسكان المدينة مع رمال الشاطئ وصخوره ومياهه. ولكن تتواجد في تلك المخيلة أيضاً أبعاد حقوقية أساسية، متمثلة بحق سكان المدينة بالتواجد والإستفادة والتمتع بهذا المكان العام. فالبحر هو مصدر رزق لكثير من أصحاب الدخل المحدود من الصيادين، وأصحاب المراكب السياحية الصغيرة، والباعة المتجولين، ومستثمري الدراجات الهوائية وغيرهم. والشاطئ الصيداوي كان دائما المكان المجاني والمفتوح لجميع سكان هذه المدينة وضواحيها ورمزا للعلاقة الوطيدة بين أبناء المدينة والبحر.

للأسف، عادة ما يتم طرح هاتان المخيلتان (شاطئ “التطور والحداثة والبناء” مقابل شاطئ “الحقوق والطبيعة والذاكرة” كمشروعين متضاربين، يلغي تنفيذ أحدهما تحقيق الآخر. هذا التضارب ليس محصوراً فقط في صيدا، فهو موضوع نقاش حاد في غالبية مدن وقرى الساحل اللبناني. وهو أيضاً ليس بنقاش جديد، ففي الصفحة الأولى من مذكرات سامي الصلح، يطرح رئيس الوزراء الأسبق الصيداوي الأصل، مثالاً جيداً عن هذا “التضارب”.

“فلو أن ذهنية أهل هذه المدينة لم تكن كما كانت في القرن التاسع عشر، لما كان مصير صيدا على ما هو اليوم (…) بعد الغزو المصري الشهير، أراد إبراهيم باشا (1838)، أن يجعل من صيدا أكبر مرفأ في لبنان وسوريا. ولكن الصيداويون قاموا يستنكرون هذا المشروع (…) ماذا رفض أهالي صيدا ذلك المشروع؟ لا ريب فيهم كانوا يفضلون العيش في عزلة، وكأنهم في قمقم مسدود.” ــ سامي الصلح

 هذا النوع من الطروحات، يخفي أهمية دراسة المشاريع المطروحة بأبعادها السياسية ويطمس حق السكان في تقييم ما إذا  كانت المشاريع تخدم مصالحهم وأولوياتهم أم لا. كما يلغي مجموعة من النقاشات الضرورية والتي تستطيع أن توضح لنا كيف يمكن أن نزاوج ما بين إنماء المدينة من جهة، وبين الحفاظ على حق سكانها في الإستفادة من شواطئها من جهة أخرى.

 فمن جهة، نرى ما حدث (ويحدث) في بيروت حيث تستمر هذه المدينة في فقدان ما تبقى من شواطئها لصالح مشاريع سياحية ”تحتل“ المساحات الإجتماعية والأملاك البحرية، وتحرم سكان المدينة من الوصول إلى الشاطئ. بالمقابل، نرى أمثلة مهمة من مدن عربية وعالمية تقدم نماذج ملهمة لكيفية توسيع المساحات العامة وحمايتها من أنماط مضرة من الخصخصة، بالتزامن مع دعم الحركة الإقتصادية والسياحية في المدينة.

 تكمن القدرة الفعلية لنجاح المشاريع المدينية في تفاصيل إنتاجها. ففي صيدا نرى مثالاً حياً عن مدينة تضررت من مشاريع تخطيط صممها وأدارها مهندسو طرقات، أعطوا الأولوية لتسهيل حركة السيارات على حساب الأولويات الإجتماعية، والإقتصادية والبيئية والجغرافية، مع العلم أن هذا الهدف لم يتحقق وتحولت صيدا إلى عنق زجاجة على الطريق الساحلي السريع.

كما نستطيع أن نرى بوضوح كيف أن الطريق البحري “السريع”  يفصل الكورنيش عن واجهة المدينة القديمة، وكانت له تأثيرات سلبية على حركة المشاة والرياضة والتنزه والسياحة على الشاطئ وفي المدينة.

رغم ذلك، لم يفت الأوان بعد على إنقاذ الشاطئ المشطور بما سّمي الأوتستراد، فالكثير من المدن الساحلية تعلمت من أخطاء الماضي وتعمل اليوم على تقليص الشوارع الملاصقة للشاطئ وتوسيع رقعة المساحات الإجتماعية وزيادة تواصلها مع امتدادها الطبيعي.

هذا النوع من الطروحات يمكننا من القيام بدراسات أعمق حول أي مشروع يتم طرحه عن الشاطئ الصيداوي. كما يظهر لنا جزءاً من الأسئلة الأساسية التي تساعدنا في تقييم المشاريع وبلورة آرائنا حولها. هل يقربنا هذا المشروع أم يبعدنا عن الشاطئ؟ هل ستبقى هذه المساحات مفتوحة لجميع سكان المدينة بتنوعهم الاجتماعي والإقتصادي؟ من هم المستفيدون من هذه المشاريع؟ وهل سيخدم جميع فئات المجتمع؟ أما النقاش حول هذه الأسئلة، فهو يساعدنا على رسم صورة صيدا التي نريدها، نحلم بها ونتمناها.

هناك أهمية خاصة اليوم لهذا النقاش حول الشاطئ الصيداوي في ظل “فورة مشاريع التنمية والتخطيط” المختلفة التي ترسم المشهد الحالي للمدينة. هذا المشهد المكون من مشاريع كبرى (مشروع الضم والفرز في شرق الوسطاني، مشاريع بنية تحتية متنوعة، ردم البحر في جنوب المدينة، تطوير ميناء الصيادين وإنشاء موانئ جديدة، تحويل نهر الأولي الى بيروت وغيرها)، يوحي بان صيدا هي فعلاً “مدينة ثرية” تتمتع بفائض مالي ضخم. إذ أن تمويل هذه المشاريع يأتي بمعظمه من جهات دولية وحكومات خارجية؛ جزء منه هبات والجزء الآخر عبارة عن قروض تتحمل دفع أقساطها ميزانية الدولة. ُ كما يبرز قدرة نواب المدينة الحاليين على إستغلال نفوذهم وعلاقاتهم السياسية ونجاحهم في استدراج مصادر المال “لصالح مدينتهم”. ومن جهة أخرى، يظهر هذا الواقع قلة الموارد المحلية في المدينة. ففي إحدى جلسات النقاش لمشروع الضم والفرز، عبر رئيس بلدية صيدا محمد السعودي عن أهمية هذا المشروع ودوره في تشجيع الإستثمار العقاري داخل المدينة وبالتالي تأمين مصادر دخل جديدة لصالح الصندوق البلدي، وذلك على خلفية تدني اعداد مشاريع البناء في صيدا وارتفاعها المتزايد في قرى شرق صيدا. ليست البلدية وحدها من تعاني، فالمدينة تشهد هجرة شبابها، جيلاً بعد جيل، إلى خارج لبنان أو الى بيروت لإيجاد فرص العمل.  ولسان حالهم يقول: “نعود إلى صيدا” في الصيف، في نهاية الأسبوع، في آخر النهار أو لنتقاعد فيها في خريف العمر. وبذلك تستمر صيدا في فقدان حيوية شبابها في ظل شكوى عارمة من ضعف الحياة الثقافية والمدينية فيها.

هذه القراءة تضع مسؤولية أساسية على مخططي ومنفذي المشاريع في المدينة. كيف سيتم إستغلال هذه الموارد “المؤقتة” في إنتاج مشاريع تستطيع أن تغني ميزانية البلدية في المستقبل، وتعوضها عن الإعتماد دوما على الأسواق العقارية كممول أساسي لموارد المدينة؟ هل تساهم هذه المشاريع في خلق اقتصاد فعلي وفرص عمل تساعد أبناء المدينة على العيش والعمل في مدينتهم؟ هل ستتمكن السلطات الحالية والمستقبلية من إشراك كافة فئات المجتمع في صياغة هذه المشاريع لتضمن دعمهم للمشروع وإستفادة الجميع منها؟

وهناك أيضاً مسؤولية مماثلة على أبناء المدينة. هل سيستطيعون أخذ زمام المبادرة في تطوير مدينتهم وإغناء حياتها المدينية؟ خصوصاً أن المشاركة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يبادر أصحاب الحقوق الى طرح أولوياتهم ومتابعتها والعمل على تحقيقها بأساليب متنوعة.

من هنا تظهر أهمية هذا الكتيب الذي نأمل أن يشكل نموذجاً عن إعادة إكتشاف المعالم التاريخية والطبيعية والاجتماعية التي تزين هذا الشاطئ الصيداوي، كما حق الناس فيها وأهمية مشاركتهم في بناء مستقبلها. ويحذرنا هذا العمل من خطورة نسيان تاريخ هذه المعالم وقصصها ما يجعل الغاءها من الحيز العام (بقصد أو غير قصد) سهلاً عندما تأتي المشاريع العقارية الكبرى. كما يشكل هذا الجهد محاولة لإعادة التاريخ والمواقع والممارسات الى الرأي العام في المدينة، كما يضع جميع المسؤولين أمام سؤال واضح: كيف سنحمي ما تبقى من هذه الأماكن ونعزز دورها ونحميها من التلوث ونبقيها مفتوحة للجميع وندمجها برؤيتتا للمدينة بدلاً من محوها، كما نشهد للأسف على طول الساحل اللبناني.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s