إتحاد بلديات صيدا- الزهراني: 6 سنوات من التعطيل

.نقلاً عن جريدة “المدن” الإلكترونية
بتاريخ 07\01\2016
بقلم هدى حبيش
لا تنفصل صيدا عن ضواحيها بالنسبة لسكان هذه المناطق، بل يميل البعض إلى الإعتقاد بأن الضواحي هي مناطق في المدينة. فالتقسيم العقاري والبلدي يبقى حبراً على ورق إذا ما نظرنا إلى الحياة الاجتماعية لسكان هذه المناطق الذين قليلاً ما يفكرون بإنتمائهم حين يختارون الإنتقال للسكن من “نطاق بلدي” إلى آخر، إلا في حالات الإنتقال إلى مناطق ذات طابع طائفي أو ديني معين، في بعض الأحيان. أمّا هذا القرب الجغرافي والتعايش الاجتماعي فيمثّلهما ادارياً “إتحاد بلديات صيدا الزهراني” الذي يجمع كل بلديات هذه المناطق في مجلس واحد.

تأسس “إتحاد بلديات صيدا-الزهراني” في 23 آذار 1978 وفقاً للمرسوم الإشتراعي 118 في سنة 1977، وهو ثاني إتحاد تأسس في لبنان بعد إتحاد “كسروان الكفور” الذي تأسس في العام 1977. ضم إتحاد صيدا- الزهراني، الذي بقي معطلاً بسبب الحرب الأهلية حتى العام 1998، في أول مجلس له 12 بلدية هي بلديات صيدا، حارة صيدا، هلالية، عبرا، مجدليون، عنقون، غازية، درب السيم، مية ومية، صالحية، برامية ومغدوشة. لتنضم إليه 4 بلديات أخرى في ما بعد هي بقسطا (2002)، عين الدلب (2001)، قريِّة (2002) وطنبوريت (2008) ليصبح مؤلفاً من 16 بلدية. وهو يمتد اليوم على مساحة تصل إلى 154 كلم2 ويبلغ عدد سكانه حوالى 225 ألف نسمة.

يتميّز إتحاد صيدا- الزهراني عن غيره من الإتحادات بالتنوع الطائفي والسياسي الذي يضمه. إذ تشكل بلدية صيدا الحضور السني في الإتحاد، مقابل 12 بلدية مسيحية و3 بلديات شيعية. أما إضفاء الطابع الطائفي على البلديات فسببه قانون انتخابات البلديات الذي يتطلّع إلى طائفة الناخبين في المنطقة المحددة، الذين كانوا في الماضي هم أنفسهم السكان. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنه لم تعد الأغلبية الطائفية من السكان في هذه النطاقات البلدية هي ذاتها بسبب نزوح عدد كبير من سكانّها الأصليين إلى مناطق أخرى ونزوح أشخاص من مناطق أخرى إليها، في المقابل. ينعكس هذا الواقع باختلاف كبير بين سكان بلدية معينة وعدد المسجلين فيها، ما يؤثر سلباً على الأموال التي تتقاضاها البلديات من الـ”صندوق البلدي المستقل”، إذ في أغلب الأحيان يكون عدد الناخبين المسجلين في المنطقة أقل بكثير من عدد السكان.على الرّغم من كل ما تقدّم، تبقى بلدية صيدا الأكثر كثافة بين البلديات الأخرى (65 ألف نسمة) وذات الأكثرية لجهة عدد الناخبين المسجلين (55158 ناخباً) في حين تحتل المرتبة الثالثة عقارياً (779 هكتاراً) بعد عنقون (920 هكتاراً)، والغازية (914 هكتاراً).

جرى العرف في الإتحاد منذ تفعيله أن تتولّى بلدية صيدا رئاسته. ووفقاً لليلى الصلح التي أعدت بحثاً لرسالة الماجيستير في “الجامعة الأميركية في بيروت” حول إتحاد صيدا الزهراني في سنة 2012 بعنوان “سياسة الموقع وأثرها على دمج البلديات: حالة إتحاد صيدا- الزهراني”، تولّت صيدا رئاسة الإتحاد “نظراً لحجمها الكبير وثقلها السياسي في المنطقة، بالإضافة إلى أنها مزود الخدمات الرئيسي في المنطقة والأقدر على اتخاذ القرارات”، كما تقول الصلح. لكن خلافاً سياسياً أدّى إلى تعطيل استمرار الإلتزام بهذا العرف منذ الإنتخابات البلدية الأخيرة في العام 2010. أما أساس المشكلة فهو المحاصصة السياسية. بدأت القصّة، كما يقول الرواة من الأوساط المطّلعة مع فوز النائبين بهية الحريري وفؤاد السنيورة، وهم مرشحا “تيار المستقبل” في مدينة صيدا، في الإنتخابات النيابية الأخيرة ليليه فوز مرشح “14 آذار” أيضاً في “غرفة التجارة”، ما انعكس رفضاً من الجهة السياسية المضادة لتولي صيدا رئاسة الإتحاد. تعطيل الإتحاد اليوم هو تصفية حسابات إذاً: اعطونا غرفة التجارة نعطيكن الإتحاد أو العكس.

في المقابل، لا ترضى بلدية صيدا بتولي أي بلدية غيرها رئاسة الإتحاد بناءاً على اقتناعها بأنها الأجدر والأكثر تحملاً لأعباء غيرها من البلديات. يقول عضو المجلس البلدي في صيدا دالي بلطة: “على الرغم من كل الخدمات التي تقدمها بلدية صيدا للمناطق المجاورة وتحملها لمجاري المناطق التي تصب على شاطئها وجبل النفايات الذي استمر مدة طويلة، كيف لا يقبلون بترؤسها الإتحاد؟” ويضيف: “لا نثق بانتخابات لرئاسة الإتحاد لأننا نعرف توجهات رؤساء البلديات الأخرى ولا نؤمن بوجود ديمقراطية حقيقية في لبنان ونحن متأكدون بأن النتيجة ستكون سياسية بحت، أما في السابق فرضي المجلس برئاسة صيدا للإتحاد بسبب “الكيمياء” بين بلدية صيدا والبلديات الأخرى”، كإشارة إلى التوافق السياسي بينها. قد لا يكون تعطيل الإتحاد بسبب الخلاف السياسي غريباً عن الواقع اللبناني، من هنا يرى عضو مجلس بلدية حارة صيدا أحمد الجبيلي أن “ما يحصل في الإتحاد هو صورة مصغّرة عما يحدث في لبنان وخصوصاً عدم اجتماع النواب لانتخاب رئيس جمهورية”.

لا تقتصر المحاصصة في الإتحاد على النزاع على رئاسته بل تشمل أيضاً الإعتبارات والحسابات التي تحدد إنضمام بلديات جديدة إليه. وفقاً للمادة 115 من الفصل السابع من قانون البلديات، “يجوز ضم بلديات أخرى إلى الإتحاد بمرسوم بناءً على إقتراح وزير الداخلية وبمبادرة أو بناءً على طلب البلديات.” في المقابل، حاولت بلدية كفرحتا وبلدية كفرملكي في عام 1998 الإنضمام إلى الإتحاد لكن طلبهما قوبل بالرّفض. ووفقاً لبحث الصّلح، أورد أحد رؤساء صيدا السابقين أن رفض طلبات البلديتين يعود إلى أن “البلديتين المذكورتين هما بلديتان شيعيتان مما قد يشكل خطرا على البلديات المسيحية. فعلى الرغم من تفوق البلديات المسيحية من حيث عدد السكان على البلديات الشيعية في التركيبة الحالية للإتحاد، فانضمام بلدية كفارحتا وكفر ملكي سيؤدي إلى نمو حجم البلديات الشيعية مما سيأخذ من حصة المسيحيين في الاتحاد”. في السياق عينه، يتساءل المهندس في بلدية الهلالية فهد ميري عن سبب “عدم انضمام بلدية زغداريا ومطيرية إلى الإتحاد أيضاً على الرّغم من توسطهما إياه جغرافياً”، مشيراً إلى “عدم الوضوح في المعايير التي تحدد انضمام منطقة معينة إلى الإتحاد أو عدمه. بل أبعد من ذلك، يتساءل ميري أيضاً عن المعايير التي تحدد الحدود الجغرافية لكل بلدية ويقول: “هذا سؤال سياسي برأيي يجب أن نطرحه على المشرّع. قد يكون التكوين الطائفي هو المعيار إذ أن عدد السكان يتغير باستمرار ولا يمكن أن يكون معياراً. فتاريخياً كانت تمتد”ولاية صيدا” إلى مشغرة ومنطقة أبو الأسود والدامور ثم بدأت تصغر حتى وصلت إلى حجمها الجغرافي الحالي، فما السبب؟”.

فما هو دور الإتحاد وما هي أهمية وجوده؟ وفقاً للصلح، “يسهل الإتحاد عمل البلديات من خلال تمكينها من الإنخراط في مشاريع تنموية كبيرة. كما يشكل الإتحاد مورداً مالياً للبلديات ويحقق وجود خدمات مشتركة، وهو مبدأ تعتمده دول كثيرة”. كما تشمل مسؤوليات الإتحاد، وفقاً لبحث الصلح، مناقشة المشاريع ذات المصلحة المشتركة للبلديات، تحقيق موازنة للإتحاد، اتخاذ قرار بشأن الوظائف الشاغرة في الاتحاد، إتخاذ قرار بشأن التخطيط المديني للإتحاد. ويُخصص الإتحاد بأموال لإقامة مشاريع تنموية مشتركة، وفقاً للميزانية التي يحددها الإتحاد والتي يوافق عليها وزير الداخلية. في المقابل، نرى أن اتحاد بلديات صيدا الزهراني الذي لا يجتمع سوى مرة في السنة على الأكثر، فاعل في جمع النفايات وإنشاء البنية التحتية فقط. “وعلى الرّغم من أهمية الإتفاق على هذه الأمور، يبقى هناك غياب أي رؤية شاملة أو فكر مشترك أو مشاريع مشتركة تفيد المنطقة ككل”، تقول الصلح. وهذا ما يؤكده رئيس بلدية مجدليون بيار صليبا بقوله: “المشاريع تقتصر على الخدمات الضرورية فقط وكل بلدية مستقلة عن الأخرى وقليلاً ما يكون هناك تواصل أو تنسيق، أما الإتحاد فلا يعقد اجتماعاً ولا يملك أموالاً، فكيف له أن يقيّم مشاريعاً؟”.

بالإضافة إلى عدم انعقاد الإتحاد إلا قليلاً على الرّغم من تولي المحافظ السابق نقولا أبو ضاهر الذي يعد رمزاً محايداً إدارته، لا “يتنازل” بعض رؤساء البلديات للتنسيق مع بعضهم البعض في بعض المشاريع المشتركة. ولعل هذا ما تعكسه تجربة المدير السابق لـ”منظمة الصّرف الصحي في صيدا وضواحيها” جوزيف كساب الذي يقول: “كنا نذهب بأنفسنا لننسق بين كل بلدية على حدة، وفي كثير من الأحيان كنا نحن صلة الوصل بين البلديات”. في المقابل، استطاعت بعض البلديات في الإتحاد أن تنسق مع بعضها البعض بشكل منفصل عن الإتحاد، وتقول الصلح إن “بلديتي البرامية والصالحية مثال على ذلك”.

على الرّغم من تعزيز قانون البلديات للطائفية في بعض مواده، لم يستطع رؤساء البلديات الحاليون طوال سنوات رئاستهم الست والتي تنتهي في حزيران المقبل أن يستفيدوا من الصلاحيات والفرص الكثيرة التي أعطاهم إياها قانون البلديات لإنقاذ الإتحاد. فالقانون يتيح مثلاً أن يكون للإتحاد جهاز إداري وآخر هندسي وجهاز أمني أيضاً. ويرى ميري أن هذه الاجهزة من شأنها أن تحل مشكلة الإتحاد من خلال فصل رئاسة الإتحاد عن إدارته، “فتتولى صيدا رئاسة الإتحاد ويتولى الطرف السياسي الآخر إدارته مثلاً، إذ تقول المادة 118 من قانون البلديات أن “الإتحاد يتألف من سلطة تقريرية تسمى مجلس الإتحاد، ومن سلطة تنفيذية يتولاها رئيس مجلس الإتحاد، وهو أمر قد يرضي جميع الأطرف لأنه من غير السليم تهميش الآخر”، كما يقول ميري، معتبراً أن “الإتحاد في هذا السياق يصبح ممثلاً لللامركزية”. لكن استمرار الإنقسام والنزاع في الإتحاد يفوّت على المناطق جميعها فرصة التطور العمراني والإنماء بطريقة مستدامة وشاملة، ما ينعكس سلباً على أصعدة عدة. “لا يبدو أن أحدأ يهتم بالتخطيط أو التنمية أو الرؤية الشاملة إلا بمنظار ضيق جداً في الإتحاد، والتخطيط لا يمكن أن يكون ضمن حلقة ضيقة بل هو رؤية شاملة”، يقول ميري. كما يؤدي تعطيل الإتحاد إلى تأخر المنطقة في بلوغها “اللامركزية الإدارية” بالشكل الصحيح الذي يعتبر الإتحاد خطوة أولى باتجاهها من خلال المشاريع التي يقيمها.

وعلى الرّغم من تعطّل الإتحاد، تقول الصلح أنه “لا يوجد إرادة سياسية لحل الإتحاد” وهذا ما أكده أعضاء البلديات المختلفون وخصوصاً الجبيلي فـ”الإتحاد قوة” كما يقول. أما انسحاب بلدية صيدا من الإتحاد مثلاً نظراً لقدرتها على الإستقلال عنه، مادياً على الأقل، فلا يبدو محتملاً نظراً لما قد يحمله هذا الإنسحاب من تأثير على “الوجود السني الفاعل في الإتحاد” كما تقول الصلح. في هذا السياق، يرى ميري أيضاً أن “مدينة صيدا مدينة كبيرة لكن لا يمكنها أن تنتزع نفسها من امتدادها الطبيعي والجغرافي في شرق صيدا” ليؤكد دالي بلطة عدم رغبة صيدا بالإنسحاب قائلاً: ” نحنا ما حابين نكون لوحدنا ونحنا منفتحين ومتعاونين مع الكل”.

http://tinyurl.com/zwrhqnm

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s