فندق على الشّاطئ؟

قصّة عن الحق بالشّاطئ المفتوح

كتابة عبد الرزّاق حمّود

كان أهالي مدينة صيدا يقصدون الشاطىء الرملي الشمالي للتنزه على ضفاف نهر القملة الذي يصب فيه. كان النهر غزيراً بفصل الشتاء ويرتمي على جانبيه مجموعة كبيرة من أغصان أشجار الحمضيات إذ يمر من قلب بساتين الحمضيات الشهيرة للمدينة.

يروي سامي أ.: “كنا نتمشى على طول شاطىء القملة، وكنا في نهاية الطريق ندرك أننا سنصل الى فندق طانيوس (أو صيدون) حيث لا يمكننا المتابعة فنعود أدراجنا”.

b3c2c1b5-6f0c-4c88-b2eb-b91458808bf7
صورة جويّة يظهر فيها امتداد شاطئ صيدا مروراً بمصب نهر القملة وباتحاه فندق “طانيوس” الواقع على الطرف الشمالي لشاطئ المدينة

كان الفندق يتكون من طابقين على مساحة عريضة ومدخلين من جهة شارع رياض الصلح: واحد للدخول والثاني للخروج. كانت جوانبه على شكل دائري وكأنها حصن قلعة، يتوسطها بركة مياه دائرية كبيرة. صاحب الفندق كان “من أخواننا المسيحيين” بحسب السيد سامي، إسمه طانيوس من منطقة في قضاء عاليه. إستثمر المكان من بلدية صيدا التي تملك العقار. كان من رواده رجال الأعمال والميسورين ورجال السياسة أمثال الرئيس شمعون، وأيضا من رواده الأصليين مجموعة من القضاة الذين كانوا يقصدون المدينة مرة كل شهر قبل جلسة المحكمة بليلة واحدة، أمثال القاضي حكمت زرين وقاضي آخر من منطقة إقليم الخروب. كان بداخله مسبح خاص به ومطعم فخم. ازدهر على أساس أنه كان الفندق الوحيد في صيدا الذي كانت تقصده هذه الطبقات الاجتماعية. شرح بسخرية أحد كبار السن في صيدا:

“أوتيلات المدينة القديمة كانت دون المستوى وهي لا ينطبق عليها صفة الأوتيلات. ما كنا نقدر نسبح بجانب الأوتيل مباشرة، كنا نسبح على شط القملة مكان مسجد الزعتري حالياً، وكلنا تعلمنا السباحة على هذا الشط ولما كبرنا أخذنا ولادنا لنفس المكان. اللعبة المشهورة عنا هي القفز فوق بعض لنوصل للمي. إذا بتشوف صورنا بوقتا بتضحك.” ــ من مقابلة مع سامي أ.

tanios01
يروي المصوّر النرويجي بوريه لدفيغسين ذكرياته في مدينة صيدا في عام 1951 من خلال الصورة المرفقة أعلاه، وهو أحد الأطفال الموجودين فيها. يقول بوريه: “بقينا في فندق طانيوس في مدينة صيدا في شهر تشرين الأول من عام 1951 لمدّة أسبوعين بانتظار إتمام إنشاء بناية السن لنسكن فيها.” هكذا، يظهر فندق طانيووس في خلفية الصورة، أما الأشخاص الموجودين في الصورة بحسب بوريه فهم كلاً من: السيدة سينوف ترونستاد، كابتين كارل ترونستاد (صديق لوالد بوريه)، كارل إيفار ترونستاد ووالدة بوريه بالإضافة إليه.

وعلى الشاطئ الرملي كان هناك حمام لصاحبه “عزّو البابا” لكنّه لم يكن مشهورا كفاية لأن المنطقة  كانت مكشوفة وعريضة، فيها تيارات بحرية كانت تشكل خطراً على النّاس وخصوصاً الأولاد. أما مسبح بدر على شاطىء صيدا الجنوبي فكان على شكل دائري ومحمي، يقصده الناس أكثر. هذا وتميز الشاطىء الشمالي برمله وجماله، وكانت تقام عليه مسابقات سباحة الى الزيرة، الجزيرة المقابلة لشاطئ صيدا مباشرة. (من مقابلة مع سعد الدين و.)

خلال الحرب الأهلية، تعرض فندق صيدون للقصف الإسرائيلي وهدم قسم منه، وتحول فيما بعد إلى مكان لإيواء بعض العائلات المهجرة، فكانت تسكنه بعض العائلات البيروتية والفلسطينية، أضف اليهم عائلة أو عائلتين من صيدا. في العام 1977، اقترح وزير السياحة أمين البزري أن يتم بناء فندق أكبر على الشاطىء، وأن يتحول فندق طانيوس الى أجنحة ملكية. لم يتحقق هذا المشروع. وفي أواخر الثمانيات، حكي عن مقايضة سياسية بين الشهيد رفيق الحريري، ذلك قبل مجيئه الى الحكم، والنائب السابق المرحوم مصطفى معروف سعد تقضي بإخالاء الفندق من المهجرين إستعدادا لتدميره وإعادة بنائه بحلة جديدة. وحتى هناك بعض الأحاديث عن نقله من مكانه الأصلي الى داخل مدينة صيدا مع المحافظة على الشكل والطابع الهندسي الخاص به. من بعدها، وفي العام 1988، تم تدمير المبنى بالكامل حيث عمدت البلدية الى تفكيكه وردم قسم كبير من أحجاره في نفس المكان. حتى الآن لم تعرف الأسباب وراء هدم الفندق وتبقى الروايات غير واضحة.

Screen shot 2015-10-23 at 12.35.18 PM
في الصورة يظهر الناشط عبد الرزاق حمود أثناء سرده حكاية فندق “طانيوس” خلال نشاط “مشي تَ دليك” الذي أعدته مجموعة “ديكتافون” في حزيران الماضي
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s