الأكيدنيا… ماذا تعني؟


صيدا…

تفوح رائحتها العطرة عند الكينايات (نهر الأولي)، مدخلها الشمالي وتزداد كلما توغلت فيها وصولاً الى مدخلها الجنوبي عند نهر سينيق. فلا بد لكل زائر او عابر ان يلاحظ هذه الرائحة التي تزداد قوة بمحاذاة بساتينها خصوصاً اذا كان العبور على اوتوستراد المهنية وطريق مغدوشة، ولكنها للأسف تتناقص عاماً بعد عام لتآكل تلك البساتين.

أما اذا كنت من ساكنيها فان لهذه الرائحة سحر يصعب تفسيره! يشعر الصيداوي بدعوة هذا العطر الى ما لا يمكن ادراكه او تطبيقه من انغماس حياتيّ لكل ذرات كيانه، فيخرج باحثاً عما يروي عطشه التاريخي للحياة، الذي يثيره هذا الزهر النابت في بساتين مدينته، فيتجول في “كزدورة” لا هدف لها ولا وصول الا الطيران فوق “جسر من رائحة الليمون” والإيكيدنيا!

زهر الأكدنيا

زهر الأكدنيا

ويتساءل الصيداوي عن هذا الاسم الذي يرافقه كما يرافقه اسم مدينته في نسبته اليها، ولكن الصيداويين يختلفون قليلاً في نطق اسم هذه الفاكهة: أكُدنيا، إيكيدنيا، وأحيانا أسكيدنيا (كما تلفظ ايضا في بعض البلدان العربية كالأردن)!

ما معنى هذا الاسم؟ وما أصله؟ فلا يبدو عربياً ولا نعرف له معنى، ولكنه صيداويٌ بلا شك.

وفي الحقيقة يرجع هذا الاسم الى أيام العثمانيين، حيث بدأ العثمانيون باستيراد هذه الفاكهة الجديدة التي لم تكن معلومة لديهم، ويبدو أنها كانت تأتي من بلد جديد الإكتشاف كـ”أميركا” أو مصدر تصدير جديد لهذه الفاكهة الجديدة. كما تقول بعض الروايات أنّ بحارة عثمانيين جاءوا بها من الصين، وهذا ما يحمله الإسم من دلالة على كل حال، فقد أطلق العثمانيون عليها اسماً يدلّ على موطن تصديرها في ذلك الوقت “العالم الجديد” او “الدنيا الجديدة” ولفظه بالتركية “ايني دنيا”. وقد يكون الاسم رمزاً للفاكهة نفسها بما انها فاكهة جديدة.

فكلمة “ايني” تعني جديد، ودنيا كما العربية دنيا! ولكن كيف أصبح الاسم ايكي دنيا؟

12495054_10156745288720057_8996154301400847769_n

كانت اللغة العثمانية تكتب بالأحرف العربية ولكن أحد أصوات النون في العثمانية كان يكتب بحرف الكاف العربي، فالعدد “ألف” (1000) بالعثمانية يكتب “بك” ويلفظ “بن” كما هو الحال مع رتبة الجيش الشهيرة “بن باشي” والتي تعني رئيس الألف وهي رتبة الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر ولكنها تكتب بالعثمانية “بك باشي” ولذلك كان العرب يقولون – وما زالوا – “البك باشي جمال عبد الناصر”!

وهذا الذي حصل مع فاكهة الـ”ايني دنيا” التي قرأها العرب واللبنانيون والصيداوين خصوصا “ايكي دنيا” لأن النون العثمانية ترسم كافا عربية! وقد يُضم أولها أحيانا لتصبح أكُدنيا، وهذا بفعل اللهجة الصيداوية الأصيلة. ويلاحظ أن حرف النون بقي كما هو في كلمة “دنيا” ولم يرسم كافاً وذلك يعود الى أن حرف الكاف –كما ذكرنا- هو أحد أصوات النون فاللغة التركية تحتوي على أكثر من لفظ لحرف النون أو ما يشابهه لفظاً وربما يرجع ذلك الى ان كلمة “دنيا” عربية الأصل فظلت على حالها بعد دخولها اللغة العثمانية.

akadinya-bustan_small

ومن الطريف ان كلمة “اسكدنيا” التي يقولها الصيداويون تندراً تعني في الحقيقة “الدنيا القديمة”. وبما أنها موجودة في الأردن أيضا فلا بد انها قراءة خاطئة للياء على انها سين ولكنها ثبتت في المحكيات لأسباب نجهلها. والأطرف ان هذه الفاكهة قد تكون جاءت الينا عن طريق أميركا، وزراعتها اليوم مزدهرة في ولاية كاليفورنيا، وأصبحت جزءاً من الهوية الصيداوية يجهلها اليوم الكثير الكثير من الأمريكيين.

كل موسم زهر وصيدا وأهلها وبساتينها بألف خير.

عبد الرحمن محمود شمس الدين – للمدينة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s