إعادة اكتشاف خرائط ومشاهد منسية لصيدا وجوارها تعود لسنة 1685

b-crop

مشهد لمدينة صيدا ،1685. المصدر : أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية

في حين تزخر مكتباتنا برسومات وخرائط تاريخية عديدة لمنطقتنا ومدننا، الا انه يبقى مذهلاً أن يتم اكتشاف وثائق ومشاهد تاريخية سقطت  تماماً من الذاكرة الجماعية والأراشيف المحلية. من هذا المنطلق يسر مبادرة للمدينة أن تنشر مجموعة من الرسومات لمنطقة صيدا وجوارها تعود إلى سنة 1685، والتي لا يبدو أنها ظهرت في أي من الكتب والدراسات والأبحاث المعنية بصيدا قبل اليوم رغم أهميتها التاريخية ودقة معلوماتها وجمال محتواها.

صيدا 1685. خريطة تظهر علاقة المدينة بأنهرها وتلالها المحيطة.

صيدا 1685. خريطة تظهرعلاقة المدينة بأنهرها وتلالها المحيطة. المصدر : أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية.

وقد تم اكتشاف هذه الرسومات صدفة سنة 2015 في أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية من قبل مارين ديكلييف، وذلك خلال فترة عملها مع “مبادرة للمدينة” على توثيق مجموعة من المعالم الطبيعية والأثرية في منطقة صيدا، وإنتاج دراسات لكيفية الحفاظ عليها وإظهار حقيقتها كجزء عضوي من نسيج المدينة. نضع هذه الخرائط والصور (لمدينة صيدا ومدن عربية أخرى مثل طرابلس وصور والإسكندرية وحلب والقدس والقاهرة) بين أيدي المهتمين، كما نروي قصة إصدارها ونحلل خلفياتها من خلال المقال التالي :

مدينة حلب 1685

مدينة حلب، 1685. المصدر : أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية.

بين عامي 1685و1688، كلف إتيان جرافيير (Etienne Gravier)، والملقب بالماركيز دورتيير (Marquis d’Ortieres)،  بمهمة سريّة لإنتاج هذه الخرائط من قبل الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، الملقّب بــ ملك الشمس (le Roi-Soleil).

الملك لويس الرابع عشر الملقب بملك الشمس

الملك لويس الرابع عشر الملقب بملك الشمس

هدف المهمة المعلن كان تطوير العلاقات التجارية بين فرنسا والدولة العثمانية، فيما هدفها الحقيقي كان القيام بعملية مسح وتوثيق للموانئ والقلاع البحرية في الأراضي العثمانية وذلك لأهداف عسكرية . سمّيت هذه المهمة ب “إشيلز” وكانت مهمة إستطلاعية بغاية السرية لدرجة أن سفير فرنسا في اسطنبول لم يكن على علم بالهدف الحقيقي لها وهو التحضير لحملة عسكرية واسعة يهدف من خلالها الملك لويس الرابع عشر الى السيطرة على القسطنطينية (إسطنبول) وإحتلال أراضي شرق المتوسط مثل سوريا ومصر.

plan_du_fort_du_village_-gravier_etienne_btv1b55000474w

خريطة لإحدى قلاع خليج أبو قير على الشاطئ الشمالي في مصر، 1685. المصدر : أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية.

قاد إتيان جرافيير إسطولاً بحريا لإتمام المهمة من على متن سفينة تدعى جاسون. وفي رسم تفاصيل منطقة صيدا ساعده المهندس البحري بلانتيير. تتميز رسومات بلانتيير بدقة عالية، خصوصا في ما يختص بالمعالم ذات الأهمية العسكرية والدفاعية مثل القلاع و أسوار المدينة وأبراجها. وبذلك سوف تكون لهذه الرسومات فائدة خاصة للمؤرخين وعلماء الآثار المهتمين بتفاصل مدينة صيدا القديمة وقلاعها وأسوارها (سوف نشرح عنها في مقال آخر يأتي لاحقا) .

صيدا 1685. في الأعلى واجهة صيدا البحرية. في الأسفل خريطة ورسومات تظهر تفاصيل قلعتها البحرية

صيدا 1685. في الأعلى واجهة صيدا البحرية. في الأسفل خريطة ورسومات تظهر تفاصيل قلعتها البحرية. المصدر : أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية.

في عصر لويس الرابع عشر، كانت فرنسا أقوى مملكة بين الممالك الأوروبية، وأوسعها نفوذا. ورغم نجاح المهمة الاستطلاعية بتوثيق الأهداف للحرب القادمة، إلّا أنّ الملك لويس الرابع عشر لم يستطع إطلاق حملته العسكرية والتوسعية في الشرق، نظرا لإلتهائه بحروب أوروبية على جبهات عدة.

مشهد من إحدى حروب لويس 14 في أوروبا، معركة فلورس 1690

مشهد من إحدى حروب لويس الرابع عشر في أوروبا، معركة فلورس 1690

فَنُسِيَت خرائط ورسومات  إتيان جرافيير التي وثقت العديد من المدن الشرق أوسطية، ولم يتم كشفها والكتابة عنها فعلياً إلا بعد أكثر من مئتي عام، أي في 1893، من قبل الباحث هنري أومونت. ورغم اعتماد بعض الباحثين المهتمين بالتاريخ والآثار على هذه الوثائق والرسومات في دراسة مدن مثل القدس وصور– إلا أنه لم يتم إستخدامها بعد في أية دراسات تخص مدينة صيدا على وجه التحديد.

واجهة صور البحرية، 1685

واجهة صور البحرية، 1685. المصدر : أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية.

تدفعنا قصة إنتاج هذه الخرائط إلى التأمل في ما يحدث في بلادنا ومدننا العربية اليوم. فنظرياً، لو كان نجح الملك لويس الرابع عشر بإطلاق حملته التوسعية في المشرق العربي –  لكانت لعبت هذه الخرائط دورا حاسماً في عملية إحتلال وإستعمار صيدا وغيرها من مدن المنطقة – بما يتضمن ذلك من تبعات عادةً ما ترافق حروب الغزو كالدمار والتهجيروتغيير معالم الأمكنة وفقدان سيطرة السكان المحليين لأرضهم ومواردهم.

مشهد للإعتقالات في عدن (اليمن) خلال الثورة ضد الإحتلال البريطاني 1968

مشهد للاعتقالات في عدن (اليمن) خلال الثورة ضد الاستعمار البريطاني 1968

وبعد مرور أكثر من 300 سنة على إنتاج هذه الخرائط ومرور أكثر من 50 عاما على إنتهاء معظم المشاريع الإستعمارية “التقليدية” في آسيا وإفريقيا (بإستثناء فلسطين)، ما زالت الأزمات تهيمن على واقع مدننا. بدءاً من الحروب الطائفية الى الأنظمة الفاسدة والمستبدة الى السياسات الإقتصادية القاسية –كلها تتناوب على تكريس أنواع مختلفة من فصل السكان عن الأرض والطبيعة وبتر علاقتهم بهما، وفقدانهم لسيطرتهم على مواردهم الطبيعية وتلويثها، بالإضافة الى محو طبقات أثرية وتراثية من مدنهم.

relics_kontar_pic_1

مضمار (Hippodrome) بيروت الروماني والمهدد بمشاريع تطوير عقاري محتملة في وسط بيروت التجاري

والمخيف أنه ليس هناك فرق كبير بين حالة سلم أو حرب –فبكلا الحالتين نلحظ تدميراً لجغرافية وتاريخ منطقتنا. فمن جهة، القنبلة تدمّر، ومن جهة أخرى الجرافة وبعض مشاريع التطوير العقاري أيضاً تدمّر- خصوصا عندما تحتل الحيز العام أو تخدم فئات إقتصادية نخبويّة على حساب مصالح غالبية سكان المدينة.

التدمير الممنهج لنسيج بيروت والإجتماعي والعمراني لبناء ناطحات سحاب للأغنياء. المصدر nextcity.org

ولذلك فإن عملية اكتشاف هذا النوع من الرسومات والخرائط وتحليلها ودراستها هي أكثر من نوستالجيا رومنسية لماضٍ فات، أو هواية تجميع لصور قديمة.

نهر البرغوث في سهل صيدا 1950. في الثمانينات تم تحويل النهر إلى قسطل إسمنتي تحت الأرض تجري فيه مجارير المدينة لتصب في البحر. مصدر الصورة المركز العربي للصورة. المصور : هاشم المدني

نهر البرغوث في سهل صيدا 1950. في الثمانينات تم تحويل النهر إلى قسطل إسمنتي تحت الأرض تجري فيه مجارير المدينة لتصب في البحر. مصدر الصورة المركز العربي للصورة. المصور : هاشم المدني

هي فرصة للبدء بمراجعة للذات ولواقعنا العام بالإضافة إلى إعادة تفكيك لتاريخ منطقتنا كمقدمة من أجل العمل نحو بلورة رؤى لمدن تحترم سكانها وطبيعتها وتاريخها. فهذه الخرائط تشكل مخزناً لمعلومات ومعطيات تنتظر من يعيد اكتشافها ويسلط الضوء عليها – علّنا نعيد إحيائها في مدننا قبل ان تتحول نهائياً الى شيئ غريب عنا.

main_1200-5

مواجهات بين متظاهرين والأمن في بيروت 2015، على خلفية أزمات النفايات والفساد

خرائط إتيان جرافيير لمدينة صيدا تؤرخ مرحلة مهمة من تاريخ المدينة – تظهر فيها العلاقة الحميمة بين البلدة القديمة وبساتينها، وأنهرها وتلالها. لهذه المشاهد أهمية فائقة نظرا للتحولات الكبيرة والسريعة التي تلحق بالمعالم الطبيعية والأثرية للمدينة عبر إزالتها أو تدميرها كرمى لمشاريع إفراز عقارية أو بنى تحتية غير مدروسة، دون أن تأخذ بعين الإعتبار أولويات إجتماعية وتاريخية وبيئية.

صيدا 1685. بانوراما لوجهتها البحرية وتلالها الشرقية.

صيدا 1685. بانوراما لواجهتها البحرية وتلالها الشرقية. المصدر : أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية..

سخرية القدر أن هذه الخرائط التي وثقت مدننا وطبيعتها بهدف السيطرة عليها من قبل غزاة ومستعمرين،  يمكننا ان نستغلها، ذاتها، للبحث عن سبل لتحرير طبيعتنا ومدينتنا – من أنفسنا.

15099599_625597210958218_4075786155583340544_n

نهاية، نترككم مع مجموعة من لوحات إتيان جرافيير لمدن ومناطق عربية مختلفة

veue_de_tripoli_de_sirie_-gravier_etienne_btv1b55000225h

طرابلس (لبنان)، 1685

خريطة طرابلس (لبنان) 1685

خريطة طرابلس (لبنان)، 1685

مدينة الإسكندرية، 1685

مدينة الإسكندرية، 1685

خريطة الإسكندرية، 1685

خريطة الإسكندرية، 1685

القاهرة 1685

القاهرة، 1685

القدس، 1685

القدس، 1685

القدس، 1685

القدس، 1685

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s