ماذا نريد من ساحة النجمة؟

لا شك أن هنالك ارتباك حول الدور المستقبلي لساحة النجمة، قلب مدينة صيدا. ظهر حديثاً أحد أبعاد هذا الارتباك بعد إخلاء موقف الفانات الخاص (موقف طنطش) من قبل مالكه الجديد، وانهماك البلدية، على أثر ذلك، بالبحث عن موقف بديل. ولكن موضوع موقف الفانات لا يعدو كونه واحدة فقط من الإشكاليات والقضايا التي تربك هذه المنطقة الحيوية من مدينة صيدا. من هذا المنطلق، نأمل أن نستعرض في هذا المقال قراءة أشمل حول هذه التحديات على أمل أن يساهم ذلك في فتح نقاش مفيد ومطلوب في المدينة حول ما نريده من ساحتنا وقلب مدينتنا، وبالتالي إيجاد حلول أفضل على أرض الواقع لمشاكلها الراهنة وخطة تطويرها مستقبلاً.

nijmeh-60-3_small_toned

صورة ساحة النجمة مأخوذة من على مأذنة جامع الزعتري

 

1- دور ساحة النجمة

تُشكل ساحة النجمة أهم مركز حيوي في مدينة صيدا. هي مساحة تربط بين صيدا القديمة والمدينة الحديثة، ومركز لكل عمليات النقل العام داخل المدينة بالإضافة لكونها مركزاً لخطوط النقل العام بين صيدا وسائر المناطق اللبنانية (بيروت، الجنوب، جزين …إلخ). الساحة هي المدخل إلى سوق “البلد” وهي واجهة مبنى بلدية صيدا. أضف الى ذلك أنها من أهم المساحات العامة المستخدمة في تعبير أبناء المدينة عن إعتراضاتهم وقضاياهم الحياتية والسياسية، وصولاً الى سقوطهم شهداء فيها كما سقط الزعيم الصيداوي الراحل معروف سعد. باختصار شديد ، ساحة النجمة هي قلب مدينة صيدا.

ساحة النجمة يوم تحريرها من الإحتلال الإسرائيلي. نشرت الصورة في عدد جريدة السفير يوم 17 شباط 1985

نكتشف إذاً أن الامتداد الجغرافي للساحة أكبر وأوسع من المستديرة الضيقة التي تدور حولها السيارات، وأن دور  الساحة وأفقها يتعديان وظيفتها المرورية المباشرة ويرتبطان بعناصر أساسية أخرى تلتف حولها وتمتد منها وإليها. فإن تم استغلال هذه العناصر (اللاحق ذكرها) بشكل صحيح، فقد تنتفع صيدا على عدة صُعُد وتحقق مجموعة من المكاسب أهمّها: تثبيت حق المواطنين في ما يمكن إعتباره أهم ساحة عامة في صيدا الكبرى، وتطوير النقل العام، وتنشيط الحركة التجارية، وتحفيز السياحة، بالإضافة الى تعزيز جمال المدينة. أما في حال عدم الاكتراث فان قلب مدينة صيدا سوف يعاني .من مشاكل يصعب علاجها في المستقبل.

 

تحوّل البساتين الى مواقف للسيارات

 

2- الأراضي غير المبنية

تتواجد حول منطقة ساحة النجمة كمية هائلة من الأراضي غير المبنية. منذ زمن ليس ببعيد، كانت هذه الأراضي بساتين لزراعة الحمضيات، ولكن بعد أن تغيرت ملكيتها، أزيلت البساتين ليتحول ما تبقى منها اليوم إلى مواقف للسيارات. هذه المواقف هي طبعاً حالة مؤقتة – وقريباً سوف نشهد عملية فرز واستثمار على هذه الأراضي. وبسبب غياب رؤية تهدف الى توجيه التطوير العمراني للمنطقة من قبل السلطة المحلية – سيكون الدور الأساسي في تحديد شكل ووجهة استخدام ساحة النجمة ومحيطها للمطوّرين العقاريين.

 

ساحة النجمة والمنطقة المحيطة عبر السنين. في صورة العام 2017، تظهر مواقف السيارات باللون الأسود

 

المشكلة تكمن في أن قانون تنظيم البناء الذي يختص بهذه المنطقة اليوم ، يقتصر فقط على تحديد عامل الاستثمار الأقصى ونسبة الاستثمار السطحي ولا يراعي بذلك خصوصية منطقة النجمة كقلب لمدينة صيدا. لذلك، إن منطقة ساحة النجمة ومحيطها، بحاجة اليوم إلى رؤية تصميمية وتخطيطية لتوجيه عملية التطوير العقاري في المنطقة.

ساحة النجمة في الستينات وكان يخترقها شارع رياض الصلح

3- ملامح الرؤية التصميمية لساحة النجمة ومحيطها

أية رؤية يتم إنتاجها لمنطقة ساحة النجمة يجب أن تأخذ بعين الإعتبار مجموعة من التحديات والفرص الكامنة في منطقة النجمة ومن ضمنها:

حل مشاكل النقل العام والخاص في المدينة :

تظهر خريطة منطقة ساحة النجمة الأزمة الناتجة عن مشاكل ركن السيارات في وسط البلد. ولا بد من الثناء على جهود بلدية صيدا لتخفيف السيارات من السوق التجاري خصوصاً أنها تعكس اهتماماً بزيادة أرصفة المشاة وتحفيز المشي داخل المدينة. ولكن التجارب العالمية الناجحة هي تلك التي وضعت أنظمة فعّالة للنقل العام (مثل الباصات والترام وغيرها) وزادت نسبة مستخدمي الدراجات الهوائية في المدينة. بالمقابل، لن يساهم غياب بدائل النقل الا في زيادة عدد السيارات في المدينة. أما زيادة عدد مواقف السيارات فهي حلول مؤقتة تنتهي صلاحيتها مع الارتفاع المتزايد لعدد السيارات ومع بدء عملية البناء لأصحاب مواقف السيارات.

وبذلك يتضح أن عملية إيجاد بديل عن موقف الفانات الذي أقفل، رغم أهمية العملية ذاتها، يجب أن ترتبط برؤية حقيقية لحل مشاكل النقل العام والخاص في منطقة النجمة. وهذه الرؤية يجب أن تتعامل مع مشاكل السيارات التي تتفاقم في النطاق الأوسع لصيدا الكبرى والتي تعبّر عن نفسها بأزمات سير متزايدة، تقابلها حلول غير مجدية قائمة على توسيع طرقات سوف تتسبب بتدمير أحياء صيداوية (مثل حي القياعة) أو معالم تراثية (مثل تلك التي تتواجد على طريق السلطانية). يضاف إلى ذلك حالة الغموض حول مصير مشروع تحويل تخطيط الأوتوستراد الذي كان يمر في شرق الوسطاني والذي ينتظر إلغاؤه او استبدال موقعه رسمياً لتنفيذ مشروع الضم والفرز ؛ فإقتراحات نقله إلى تلال شرق صيدا قد تكون غير عملية نظراً للتكلفة الباهظة لتنفيذ هكذا مشروع.

تعزيز دور الساحة كمساحة عامة وكمركز للخدمات العامة:

تستخدم معظم مساحات ساحة النجمة من قبل السيارات والباصات، أما مساحات المشاة فهي قليلة ومبعثرة على شكل أرصفة على جوانب الطرقات أو مستديرة السيارات. وبذلك، تفتقر ساحة النجمة اليوم  إلى مساحة مفتوحة ومريحة لمستخدمي منطقة النجمة حيث يستطيعون الجلوس والإستمتاع بوجودهم في وسط البلد

ساحة صيدا في التسعينات. المصدر : محمد اليماني

وعندما تصل فورة البناء الى محيط الساحة، من المتوقع أن تكون معظم الأبنية التي سوف يتم إنشاؤها من قبل القطاع الخاص عبارة عن شقق سكنية ومحلات تجارية، لما تؤمنه من ربح سريع ومؤكد . ونظراً لموقع ساحة النجمة ومحيطها الإستراتيجي، من المهم التفكير بمشاريع من نوع آخر، ذات طابع عام، يمكنها أن تستغل القيمة المضافة لهذا الموقع مثل : مكتبة عامة، متحف، مركز ثقافي إلخ وتتكامل مع الساحات العامة التي من المهم إنشاؤها في هذه المنطقة. بالإضافة الى ذلك، تبدو مستغربةً الخطة لهدم مبنى البلدية الحالي واستبداله بمبنى آخر لمواقف السيارات والمتاجر فيما هو موقع استراتيجي مطل على ساحة النجمة ولا يستوي التفريط بما يمتلكه هذا الموقع من قوة رمزية ومحورية في قلب المدينة.

تعزيز العلاقة مع البحر والكورنيش البحري

هناك فرصة كبرى في تعزيز انسيابية العلاقة المكانية بين ساحة النجمة والكورنيش البحري – خصوصا إن أخذنا بعين الإعتبار قرب ساحة النجمة الجغرافي إلى الشاطئ. وهنالك مجموعة من الأدوات التخطيطية والتصميمية التي يمكن استغلالها لتعزيز هذه العلاقة والتي ستعود بفائدة كبيرة على أصحاب العقارات الخاصة وعلى مستخدمي المساحات العامة في منطقة النجمة، بالإضافة الى منافعها على الخارطة السياحية للمدينة وعلى السوق التجاري.

المباني التراثية

تتواجد حول الساحة مجموعة من المباني التراثية والحديثة التي لها قيمة معمارية وتاريخية مهمة. بطبيعة الحال، هذه المباني مهددة بالإزالة من قبل المستثمرين الذين عادة ما يفضلون بناء مبانٍ جديدة يستفيدون من خلالها من نسب الإستثمار العالية المتواجدة في هذه المنطقة (المصنفة كمنطقة B)*والتي تعدّلت سنة 2006 من إستثمار يسمح بأربع طوابق ليسمح بمبانٍ يصل ارتفاعها إلى عشر طوابق أو أكثر، بحسب الاستثمار السطحي.(عامل استثمار في منطقة B هو 4.2 مع نسبة استثمار سطحي أقصى60% ، من دون قيد على الارتفاع الأقصى للمبنى)،

بناية العازوري

4- نحو تطوير رؤية تصميمية وشاملة لساحة النجمة ومحيطها

ما يهمنا حالياً هو فتح النقاش حول تطلعات مستخدمي الساحة، وسكانها وسكان منطقة صيدا حول مستقبل “قلب” مدينتهم. هنالك مجموعة من الأدوات التنفيذية والتخطيطية في قانون التنظيم المدني التي يمكن أن تستغلها بلدية صيدا من أجل تحقيق رؤية تصميمية لمنطقة ساحة النجمة. أحد الأدوات الفعالة لفتح هذا النقاش – هو تنظيم مسابقة “تصميم مدن” عامة، يشارك فيها  مصمّمو ومخطّطو مدن، يطرحون إقتراحاتهم حول التعامل مع تحديات ساحة النجمة ودورها المرتقب. من خلال اقتراحات المتسابقين، يستطيع سكان صيدا ومستخدمو الساحة اكتشاف “ما هو الممكن”، والإدلاء بآرائهم حول مميزات الإقتراحات المختلفة – خصوصاً إن استخدمت الأدوات التشاركية المناسبة لهذا الغرض. أما الاقتراح الفائز فيمكن تطويره لتنفيذ مشروع تصميم تفصيلي.

لتحقيق كل ذلك، يجب أن يكون هناك إرادة حقيقية من قبل السلطات المحلية (بلدية ونواب) لتطوير وتنفيذ هذا النوع من الرؤى لساحة النجمة ومحيطها. ويساعد بشكل أساسي في بلورة ذلك سكان المدينة أنفسهم، من خلال مطالبة الناشطين والمهتمين بقضايا الشأن العام ومؤسسات المجتمع المدني بهذا النوع من العمل وتضافر الجهود باتجاه تحقيقه.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s