روضات الغابة: نموذج تعليمي بديل لإحياء الطفولة وتعزيز علاقة المجتمعات بالطبيعة

تمثل مرحلة الروضات التجربة الأولى لخروج الطفل من البيت الى المدرسة التي تصبح بمثابة المجتمع الصغير له حيث يتم الإنتقال الى الإحتكاك الحقيقي مع أطفال وبالغين خارج نطاق العائلة. وتتميز مرحلة الروضات (الطفولة المبكرة) بسرعة النمو عند الطفل في كافة المجالات ( حركي، ادراكي ،اجتماعي وعاطفي). ولذلك نجد الأهل حريصون كل الحرص على اختيار الروضة التي تناسب حاجات أطفالهم وتؤمن لهم التطور بما يتناسب مع قدراتهم.
ولكن هل فعلا نحن صائبين في اختياراتنا؟ هل أطفالنا يحتاجون الى جدران؟ والى الجلوس على الكراسي لساعات طويلة في هذا العمر حتى يتمكنوا من اكتساب المهارات والمعرفة اللازمة؟
إن التطور السريع الذي نعيشه اليوم في العالم بات يشكل أول وأهم المشاكل التي تؤثر سلبا على حياة ومستقبل أطفالنا، خصوصا في أعمار صغيرة. فبات أطفالنا محبوسين خلف شاشات الهواتف وألعاب الفيديو، وهو شكل من أشكال الإدمان الذي اصبح فيه أطفالنا ليسوا بأطفالا، ولا يعرفون اللعب مع الآخرين أو المشاركة. ومنهم من يفتقد إلى مهارات اجتماعية أساسية ويكبر بعزلة عن المجتمع. هذا بالإضافة الى  ظهور الصعوبات التعليمية وغيرها نتيجة التعلق بالتكنولوجيا  والممارسات الخاطئة في حق أطفالنا.

تقدم روضة الغابة نموذجا جديرا بالإهتمام لدورها الريادي في تأسيس أجيال واعية لأهمية الطبيعة والأرض وكيفية الحفاظ عليها منذ سن مبكرة. روضة الغابة نموذج تعليمي ظهر لأول مرة في الخمسينات في الدانمارك، وشاع بعد ذلك في دول إسكندنافية وأوروبية عدة قبل أن ينتشر بشكل واسع في العديد من الدول حول العالم؛ ففي ألمانيا مثلا يتواجد اليوم أكثر من 1500 روضة غابة مسجلة.

تعتمد روضات الغابة على أهمية أن يقضي الأطفال أوقات طويلة في الخارج حيث يمكنهم اللعب والإستكشاف في الطبيعة الغنية بأشجارها وأعشابها البرية وتضاريس أرضها المتنوعة وهوائها النظيف.  فتواجد الأطفال منذ سن مبكرة في الطبيعة والخارج يساهم بشكل فعال في بناء قدراتهم الجسدية، وهي من أهم القدرات التي يجب تنميتها في الأطفال خلال فترة ال 3-6 سنوات، وهي التي تساهم في بناء حيويتهم وقوتهم وصحتهم الجسدية على المدى البعيد[1]. كما أنه لها تأثير إيجابي على نمو الأطفال الجسدي تحديدا في التوازن والتنسيق البدني والبراعة  اليدوية. كما أن اللعب في الهواء الطلق في الطبيعة يساهم في تقوية مناعة الأطفال. وتقدم بذلك روضة الغابة نقدا مهما للكثير من الروضات التقليدية التي تجبر الأطفال على أن يقضوا ساعات طويلة داخل قاعات مغلقة ولا تعطيهم حقهم في الحركة والإستكشاف في الخارج، وهو ما يحتاجونه في هذا العمر.

وقد تبين أن الأطفال الذين إرتادوا روضات الغابة، نجحوا بعد ذلك بتحقيق نتائج تعليمية جيدة في المدارس (بعد الروضة) بالإضافة أن لهم قدرة أكبر على التركيز[2]  في الصف. إذ تثبت الدراسات الدور الأساسي لتواجد الأطفال في الطبيعة لتحسين التطور الإدراكي (cognitive development)  و لتحسين قدراتهم على الإنضباط الذاتي [3] والتركيز وتدعيم صحتهم النفسية بشكل عام.[4]

تعتمد أكثرية روضات الغابة على مناهج تعليمية تشجع التعلم من خلال اللعب والتعلم من خلال الممارسة (hands on) . وقد أثبتت الأبحاث أن الأطفال يتعلمون بطريقة أفضل عندما يكونون فاعلين مباشرين بالعملية التعليمية
كما ترتكز روضات الغابة على تنمية حس التعاون والعمل الجماعي والإهتمام بالمجموعة والإبتعاد عن الفردية السلبية والممارسات الأنانية.

وتعتمد روضات الغابة على تواجد معلم واحد لكل 4-5 أطفال (1:5)، بدلا من واحد لكل 20 (1:20) كما هو متعارف عليه في معظم الروضات. ويتيح ذلك للمعلمين القدرة على مراقبة وإكتشاف إحتياجات الأطفال الفردية وتنمية مواهبهم الخاصة بشكل أكثر فعالية .

ويساهم تواجد الأطفال في الطبيعة على فهمهم للحياة والدورات والأنظمة الطبيعية بالإضافة إلى خلق روابط عاطفية منذ سن مبكرة مع الأماكن الطبيعية ومع الأرض. وتعطي روضات الغابة فرصة مهمة للأطفال للتعلم عن النباتات البرية وخصائصها وفوائدها ولإكتشاف الحياة الحيوانية البرية والاستماع الى القصص والروايات المحلية المرتبطة بالأرض والطبيعة. وعادة ما تعتمد روضات الطبيعة على مشاركة الأطفال بنشاطات تعليمية مرتبطة بالزراعة وإنتاج الغذاء.

وقد أثبتت الدراسات أن الوعي البيئي عند البالغين وقدرتهم على أن يلعبوا أدوار فاعلة في حماية  الطبيعة والأرض والدفاع عنها في مجتماعاتهم تبدأ عادة مع تجارب وذكريات إيجابية مرتبطة بالطبيعة إكتسبوها خلال طفولتهم[5]. وبذلك تقدم روضة الغابة مساحة مهمة لتأسيس ثقافة حماية الأرض والطبيعة عند الأطفال.

وهذا مهم جدا اليوم خصوصا فيما قدرتنا على العيش بتوازن مع أرضنا وفي محيطنا المديني والطبيعي الأوسع مهددة. فالثقافة المعاصرة السائدة وأنظمتنا الإقتصادية عادة ما تنظر إلى الطبيعة كقيمة نفعية تؤمن للمستثمرين والشركات موارد يمكن إستخراجها والإنتفاع منها إقتصادياً. ويتم ذلك من دون الإكتراث إلى تأثير هذه الممارسات على محيطنا وصحتنا. وهنالك خصوصية مهمة لذلك في لبنان، البلد الذي تميز تاريخيا بكونه مقصدا للسواح يأتونه من أجل مناخه وغذاءه وطبيعته الخلابة، ها هو يصنف في 2018  على أنه البلد الذي يحتوي على أعلى نسب لمرض السرطان في العالم العربي.

ورغم أن الكثير من الكتابات النقدية حول موضوع أزمات التلوث والتدهور البيئي وتراكم النفايات تضع اللوم على الفساد الإداري والسياسي، فالحقيقة الصعبة هي أن هنالك مسؤولية أساسية تقع على المجتمعات أنفسها. ويعود ذلك لهيمنة ممارسات الإستهلاك على ثقافتنا وإقتصادنا وفقداننا للمعرفة والأوليات المرتبطة بالعيش بتوازن مع الطبيعة والأرض.

وقد ظهرت في السنوات الماضية أهتمامات جديدة بفكرة روضات الغابة في بعض من مناطق العالم العربي، وأغلبها ما زال قيد التأسيس، ويقوم على تطوير مناهج ملائمة لخصوصيات ثقافتنا وقيمنا المحلية المرتبطة بالأرض والطبيعة. وبذلك قد يكمن في هذه التجارب الناشئة أحدى الأدوات المهمة لمجتمعاتنا نحو تأسيس أجيال جديدة تحترم أرضها وتملك المعرفة لحمايتها والعيش بتوازن مع الطبيعة.

 

 المصادر العلمية للمقال

[1] Taylor, A. F., & Kuo, F. E. (2006). Is contact with nature important for healthy child development? State of the evidence. In C. B. Spencer, M (Ed.), Children and Their Environments: Learning, Using and Designing Spaces. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[2] Wells, N. M. (2000). At home with nature : Effects of “greenness” on  children’s cognitive  functioning Environment and Behavior, 32(6), 775-795

[3] Taylor, A. F., & Kuo, F. E. (2009). Children with attention deficits concentrate better after walk in the park. Journal of Attention Disorders, 12(5), 402-409. doi: 10.1177/1087054708323000

[4] Maller, C., Townsend, M., Pryor, A., Brown, P., & Leger, L. S. (2006). Healthy nature healthy people: ‘contact with nature’ as an upstream health promotion intervention for populations. Health Promotion International, 21(1), 45-54.

[5] Chawla, L. (2007). Childhood Experiences Associated with Care for the Natural World: A Theoretical Framework for Empirical Results. Children, Youth and Environments, 17(4), 144-170

[6] Weinstein, N., Przybylski, A. K., & Ryan, R. M. (2009). Can nature make us more caring? Effects of immersion in nature on intrinsic aspirations and generosity. Personality and Social Psychology Bulletin, 35(10), 1315-1329. doi: 10.1177/0146167209341649

[7] Wells, N. M., & Lekies, K. S. (2006). Nature and the Life Course: Pathways from Childhood Nature Experiences to Adult Environmentalism. Children, Youth and Environments, 16(1),

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s